الدورة الجنسية (4)

هل هذه الوظيفة ممتعة؟! وهل هي أكثر إمتاعا من المرحلة الثانية التي استرسلنا في وصف مدى تأثيرها الإمتاعي الإيجابي على جنبات النفس؟

دعونا أولا نفسر هذه المرحلة من الناحية الطبية كما تحدث تماما. إن النظرية التي استند عليها الطب الصيني وعلم الإبر الصينية هي الاتصال بين الجهاز العصبي لدى الانسان وجلده، وهذا يرجع لكون هذين العضوين يعودان لأصل جنيني واحد وهو طبقة الـ ectoderm (الأديم الظاهري أو الخارجي)، ونفس هذه النظرية هي التي تسبب الإحساس بالنشوة الجنسية عند تلامس الجلد المحيط بالقضيب للطبقة المبطنة للمهبل، أخذا في الاعتبار المراحل السابقة لتلك المرحلة في الدورة الجنسية ذاتها، والتي بفضلها يكون الإنسان مستعدا للتفاعل الحسّي، فيقوم التلامس بين العضوين الذكري والأنثوي بالضغط على مفتاح توصيل الكهرباء التي تصل بين هذه المناطق والمناطق الأخرى في الجهاز العصبي والنخاع الشوكي، وأيضا في الأحشاء مما ينتج عنه الإحساس بالمتعة الشعورية، والحركة الخفيفة التي تحدث في الأمعاء والأحشاء، والتي يسميها البعض بالـ "مغص الممتع" والذي يصاحب الأداء الجنسي، هذا فضلا عن التأثير على جميع سائر أجزاء الجسد ولكن قد يكون ذلك غير ملحوظ بسبب طغيان الإحساسين الشعوري والحشوي على العملية الجنسية.

أمّا عن هذا الشعور وكيفية توصيله داخليا فهو عن طريق النهايات العصبية الموجودة في جدران المهبل والقضيب وهذه الأعصاب حسّاسة لأكثر من نوع من الأحاسيس ولكن أهمها الحرارة (الدفء) والضغط والتمدد، وهذه الأحاسيس الثلاثة تحديدا هي ما يحتاج إليه الناس في الأداء الجنسي سواء عند الرجل أو المرأة، فالدفء يتحقق بتلامس العضوين (حرارة37ْ) والضغط يتحقق للطرفين في آن واحد بضغط العضوين على بعضهما البعض وانضغاطهما في ذات الوقت.

أمّا التمدد فهذا هو بيت القصيد، فهو الطريق الأسرع في توصيل التيار الكهربائي-إذا جاز التعبير- ويتسبب في ارتفاع سريع ومفاجئ وشديد في مستوى غاز أوكسيد النيتريك في الدم حتى يصل إلى الدرجة القصوى فيحدث العكس بانخفاض مستواه انخفاضا مفاجئا، فكيف يحدث هذا؟ يحدث باستمرار الاحتكاك جيئة وذهابا بين العضوين الذكري والأنثوي بحيث يتمدد الجلد الذكري والجدار المهبلي الأنثوي بشكل مستمر لمدة متفاوتة بين كل زوج وآخر وكل زوجة وأخرى، فتستمر-كما سبقت الإشارة- الزيادة في كمية أوكسيد النيتريك حتى يقل فجأة في الدم، وهنا تكون الإثارة قد وصلت إلى أعلى معدلاتها، والتي تتوج بالقذف عند الرجل والمرأة وهي مرحلة "الشبق" المسماة في كتب الطب الجنسي بـ "متعة المتع"، ثم ينخفض مستوى الاستمتاع فورا ولكن تدريجيا، أمّا بالنسبة للذكور، فلابد لهم من العودة إلى مرحلة الأساس مرة أخرى (Baseline) كما لابد لهم من مرور بعض الوقت قبل بداية دورة جنسية جديدة، أي قبل القدرة على حدوث انتصاب آخر.

وتختلف مدة هذا الوقت من إنسان لآخر ومن سن لآخر، ومن شخصية إلى أخرى، كما تختلف أيضا باختلاف الظروف المحيطة من مثيرات جنسية وحالة اجتماعية، ومحيط عائلي واجتماعي و...و...و... أما بالنسبة للمرأة، فالأمور لا تسير على نفس النمط بعد حدوث الشبق(أي بعد نهاية المرحلة الثالثة)، ولكن يمكن لها أن تحصل على أكثر من شبق على التوالي دون العودة إلى مرحلة اللاإثارة، ثم تعود إلى تلك المرحلة فيما بعد حين ينتهي اللقاء الجنسي أو يصل الرجل إلى شبقه (القذف).

وعلى ذلك يتجلّى لنا كرم الله تعالى وقدرته في تعويض المرأة عن الوقت الأطول الذي تستغرقه في الإثارة الجنسية بمنحها القدرة على الوصول لأكثر من شبق أثناء اللقاء الجنسي ذاته، وهذا شيء يحبه الزوج ويحرص عليه؛ حيث إن هذا مثير جنسي قوي له -كما أسبقنا-، كما عوّض الله المرأة أيضا بقدرتها على الوصول إلى الشبق من الطريق الخارجي (البظري) والداخلي وهو المهبلي الذي أشرنا إليه اليوم، وبذلك تكون قد استمتعت وأمتعت زوجها بشبقها الخارجي في أثناء المرحلة الثانية للدورة الجنسية ثم بشبقها الداخلي الذي قد يصادف شبق زوجها في نفس توقيته أو توقيت مقارب له مما يضفي علي العلاقة المزيد والمزيد من التقارب والاستمتاع.

ثم ينتهي اللقاء الجنسي بالعودة بالكيان الزوجي إلى كيانين جسديين منفصلين كأول الأمر، ولكن يبقى كيان روحي واحد يجمعهما كما قال الله تعالى في سورة الروم: "ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا...." أي أن كل زوجين قد خلقهما الله من نفس واحدة ولكنهما تشتتا إلى حين، وهذا الحين هو أوان لقائهما مرة أخرى حتى يجتمعا تحت سقف واحد وبين نفس الجدران.

ما أهمية المرحلة الرابعة من الدورة الجنسية؟

المرحلة الرابعة من الدورة الجنسية تساهم بشدة في تحقيق بقاء الود واستمرار شعور كل من الزوجين أنّه بالفعل يشكل نصف كيان الآخر.

ونعرّف هذه المرحلة بمرحلة العودة إلى اللا "إثارة" وفيها يكون الزوجان غير مستعدين للاستثارة لا باللفظ ولا بالقول ولا بالفعل، وعلى ذلك يكون التصرف الصحيح أثناء هذه الفترة التي يشعر فيها كل منهما بالإنهاك الجسدي والحسّي، هو الأحاديث الخفيفة والكلام الودّي اللطيف الخالي من الإثارة أو الشكاوي أو الانفعالات، فهذا يكون محببا للقلب ومصفيا للذهن ومضاعفا للشعور بالسعادة باللقاء الجسدي الذي ما لبث أن انتهى.. هذه هي الوظيفة الجسدية الروحية الحسية المركبة التي حببها الله تعالى لقلوب عباده، وحبّب السعي إليها، ونصح الرسول (صلّى الله عليه وسلّم) الشباب بالإسراع بالزواج من أجل التعجيل بتحقيقها والاستمتاع بها لتحقيق التحصين والعفاف لكل من الزوجين.

يبقى أن أشير وأنا أنهي الحديث عن الدورة الجنسية أن كل ما أشرت إليه إنما يتحقق بما يحيط به من سعادة واستحسان نفس واستمتاع حسّي، يتحقق في نطاق العلاقة الزوجية الشرعية الصحيحة الحلال، أمّا في طريق آخر-والعياذ بالله- فإنها تكون متعة لحظية وقتية غير مكتملة، فضلا عن غضب الله وانتقامه الذي يحل على الظالمين والعادين من عباده في الدنيا والآخرة... عصمنا الله جميعا من غضبه ومن زلاّت الشيطان.... آمين يارب العالمين.

لأعلى