الجنس في الإسلام.. عالم مذهل (2)

وعدتكم بأن نكمل سوياً الغوص في أجمل المعاني لأحلى الكلام، وهو الكلام الرباني الجميل الذي أنزل الله -سبحانه وتعالى- عليه هذه الحلاوة وتلك الطلاوة اللتين تسران السامع والقارئ والمتفكر في تلك المعاني النورانية التي أقل ما يقال عنها إنها ممتعة... فلنستكمل سوياً التفكر في هذه الآية المعجزة وهي الآية 223 من سورة البقرة والتي هي بروتوكول كامل للعلاقة الجنسية بين الرجل وزوجته وبين المرأة وزوجها على حد سواء...

"نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنَّى شئتم وقدِّموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين".

وهنا نستأنف رحلتنا بالمقطع الثاني في الآية الكريمة وهو: "فأتوا حرثكم"..

والدلالة العظيمة هنا ترتقي إلى مستوى الحروف، فحرف "الفاء" في اللغة العربية يفيد السرعة والترتيب ودلالة ذلك هو تفضيل الإسراع بالزواج والتبكير به لما في ذلك من تحصين وعفاف للطرفين، وخاصة للرجال –الذين قصدت إليهم المخاطبة في هذه الآية كما سبق واتفقنا- بحكم أن الرغبة الجنسية لديهم أكثر إلحاحاً وشدة وقد أكد الرسول -صلى الله عليه وسلم- على هذا المعنى في حديثه الشهير "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج"، أما ما جاء بعد هذا الحرف القيم فهو فعل الأمر "ائتوا" وأكرر هو فعل أمر، وفي هذا معنى جميل ورائع قد يكون أيضاً غائباً عن الأذهان وهذا المعنى هو حفظ شديد، ودفاع صريح عن حق المرأة في علاقتها الحميمة بزوجها، وليس كما يظن بعض الرجال أن هذه المسألة خاضعة لاحتياجاتهم وحدهم أو لأمزجتهم الشخصية أو ظروف حياتهم المختلفة والتي قد تنقص عن مستوى احتياج المرأة لهذه العلاقة، مما يعد تقصيرا في حقها كإنسان له احتياجاته الفطرية وبما أن الله هو فاطر الرجل والمرأة ولأنه يعلم ما تتصف به من حياء قد يمنعها أحياناً من طلب هذه العلاقة أو السعي وراءها فقد حمل -الله سبحانه وتعالى- عنها هذا العبء ووجه هذا الأمر المباشر للزوج لحفظ حقها في الأداء الجنسي الحلال الذي يعصمها من الوقوع في الفتن وشرورها...

وهنا قد يتطرق إلى أذهانكم قرائي الأحباء أن القاعدة العامة تقول إن رغبة الرجل أكثر وأشد بطبيعة الحال من رغبة المرأة؛ فكيف إذن تكون هناك مشكلة عدم إقبال الرجل على العلاقة مما يتعارض مع حق المرأة واحتياجها؟! وهنا أقول إن ذلك بالقطع صحيح كقاعدة عامة، ولكن لكل قاعدة إستثناء ومن هذه الإستثناءات هي تلك الحالات التي تكون رغبة الرجل في الإقدام على العلاقة محدودة أو أن يكون وقته ليس فيه متسع كاف لإيجاد الوقت اللازم لامرأته "كزوجة" فيه، ولذلك كان هذا الأمر الموجه للرجال حتى ينتفى كون المسألة خاضعة للمتغيرات مثل اتساع الوقت، والحالة المزاجية، أو الأمزجة الشخصية...

وكما كفل الله للرجل حقه في امرأته وأمرها أن تجيب له مأربه فيها وإن كانت على التنور "في الحديث الشريــف" على لســان ســـيد الخلق -صلى الله عليه وسلم- أيضاً كفل الله -سبحانه وتعالى- نفس الحق بأمر رباني قرآني مباشر للرجل ألا يدعها حتى تطلب هي إليه هذه العلاقة "وإن كان لا شيء في ذلك كما ورد عن السيدة عائشة -رضى الله عنها"؛ لأن بعض النساء قد يمنعهن حياؤهن من ذلك كما سبقت الإشارة.. أما الكلمة التالية في الآية الكريمة فهي "حرثكم" وفيها توكيد بالتكرار عن دلالة إتيان الزوجة لأنها أم للذرية المحببة لدى الرجل والتي تخاطب غريزته كرب أسرة وأب لأولاد "راجع المقال السابق"...

تأتي بعد ذلك كلمة صغيرة في الحجم، عملاقة في المعنى والدلالة، وهي ظرف "بلغة النحو والقواعد اللغوية" ولكنها تتمتع بمعان أكثر عمقاً بكثير مما قد نتخيل هذه الكلمة هي "أنَّى" فهذا الظرف لغوياً يفيد أكثر من معنى:

المعنى الأول: وقتما وفي ذلك حث على تنويع توقيت القيام بالعلاقة الجنسية فللزوجين إقامة العلاقة في أي وقت من أوقات اليوم ماداما ليسا صائمين.. أما الآن في العلوم الجنسية الحديثة وخاصة علم النفس الجنسي فنجد أن العلماء ينادون بهذا التنويع في توقيت أداء العلاقة الجنسية لما في ذلك من مساهمة في كسر الملل الذي أحياناً ما يحيط بالعلاقة الزوجية وخاصة بعد السنوات القلائل الأولى من الزواج.

المعنى الثاني: أينما، أي في أي مكان وفي ذلك حث على تغيير مكان إقامة العلاقة، ومكان العلاقة هنا ليس معناه المنزل أو البلد فقط ولكن أيضاً على حدود أضيق بمعنى تغيير الغرفة أو حتى تغيير مكان الأداء داخل نفس الغرفة وقد أثبت البحث في علم النفس الجنسي أيضاً أن لذلك دخلا كبيرا ومساهمة جيدة في كسر حدة الملل التي تتسرب إلى نفس الزوجين من جراء القيام بالعلاقة دائماً في نفس المكان وبنفس السيناريو مما يقلل من البهجة المصاحبة لها.

المعنى الثالث: كيفما، وهنا يجب أن تكون هناك وقفة وهذه الوقفة هي تلك الدلالة العظيمة لهذا المعنى الكامن والذي يمثل فقط ثلث المعاني المتضمنة في كلمة "أنّى" أتعرفون هذه الدلالة؟! إنها الأوضاع الجنسية تلك الأوضاع التي لم يبدأ الاهتمام بها وبمساهمتها في زيادة المتعة الجنسية وتحقيق التشبع النفسي والعاطفي إلا منذ عقود قليلة، وفتح باب الابتكار فيها حتى وصلت الأوضاع الجنسية المعروفة الآن إلى بضعة مئات وأتحدث بالطبع عن الغرب وعلمائه الذين اهتموا بمسألة الأوضاع الجنسية تلك، ونسبوا إلى أنفسهم ما ليس لهم من فضل في ابتداع هذه المسألة وتأثيرها العظيم في أنفس شركاء العلاقة الجنسية.

للأسباب السابق ذكرها أوليس أولى بنا أن نفخر ونفخر ونفخر بديننا الذي لم يترك تفصيلة -ولو بهذه الدقة- إلا وعرض لها ما يكفيها ويزيد من تفسير وتعريض وتفصيل!!!

وجدير بالذكر أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- سئل ذات يوم: "أيأتي الرجل امرأته من دبرها؟ فأجاب -صلى الله عليه وسلم- قائلا: "من دبرها في قبلها" والوضع المقصود هنا هو الوضع المسمى حالياً بالوضع الفرنسي فيا للعجب!! حتى نحن -العرب والمسلمين- نسميه بالوضع الفرنسي!! أليس من الأحرى بنا أن ننسب الفضل لأصحاب الفضل؟!

تأتي بعد ذلك كلمة "شئتم" لتصير الجملة: "أنَّى شئتم"

وفي هذا أيضاً دلالة، تلك الدلالة هي أن تبديل وتوفيق كل المتغيرات السابق الإشارة إليها "بلغة الرياضيات" هي حرية بحتة ومكفولة للزوجين وإذا تفكرنا قليلاً في نتائج هذه التباديل وتلك التوافيق لوجدنا أن احتمالات التغيير في طريقة أداء العلاقة هي احتمالات تربو على العشرات وربما المئات مما يتنافى قطعاً مع الشعور بالملل الجنسي، ذلك الملل الذي هو قنبلة موقوتة تهدد الحياة الزوجية أيا كان مقدار الاستقرار فيها فالعلاقة الجنسية هي إكمال واستكمال لنسيج العلاقة الزوجية وهي كالمرآة التي تعكس الحالة المزاجية العامة وأيضاً الحالة المعاملاتية -إذا جاز التعبير- لما يجري بين الزوجين، هي على الجانب الآخر المبعث أو المصدر لحالة الراحة الزوجية والمناخ الصحي وسلام الأنفس وهو ما يزين العلاقة الحياتية بين الزوجين فيربحون من خير الدنيا راحة البال والقدرة على العمل والإنتاج وهدوء النفس ومن خير الآخرة أجر الطائعين العابدين إذا سبقوا نية الطاعة لله -سبحانه وتعالى- والتأسي برسوله الكريم صلى الله عليه وسلم.

مزيد من الغوص في معاني هذه الآية الرائعة في المقال القادم بإذن الله.

لأعلى